رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني
182
الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )
والتمادي فيها ؛ فيكون المنفعة فيما يصلح له من دينه أرجح ممّا عسى أن يزري في ماله » . « 1 » فصل : في « وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ » . « 2 » اعلم أنّ الصادق عليه السلام في المجلس الثاني من الكتاب المذكور بسط الكلام في أحوال الدوابّ ، وإذ لا يتّسع كتابي هذا لذكر الجميع التقطتُ منه قدراً على سبيل الأنموذج . قال عليه السلام : « ابتدئ لك بذكر الحيوان ليتّضح لك من أمره ما وضح لك من غيره ، فكِّر في أبنية أبدان الحيوان وتهيئتها على ما هي عليه ؛ فلا هي صلاب كالحجارة ، ولو كانت ذلك لاتنثني « 3 » ولا تتصرّف في الأعمال ، ولا هي على غاية اللين والرخاوة ، فكانت لا تتحامل ولا تستقلّ بأنفسها ، فجعلت من لحمٍ رخو ينثني ، يتداخله عظام صلاب ، يمسكه عصب وعرق تشدّه ، وتضمّ بعضَه إلى بعض ، وعُلِيَت « 4 » فوق ذلك بجلد يشتمل على البدن كلّه . ومن أشباه ذلك هذه التماثيل التي تعمل على العيدان ، وتلفّ بالخرق ، وتشدّ بالخيوط ، ويطلى فوق ذلك بالصمغ ، فيكون العيدان بمنزلة العظام ، والخرق بمنزلة اللحم ، والخيوط بمنزلة العصب ، والعروق والطلا بمنزلة الجلد ؛ فإن جاز أن يكون الحيوان المتحرّك حدث بالإهمال من غير صانع ، جاز أن يكون ذلك في هذه التماثيل الميّتة ، فإن كان هذا غير جائز في التماثيل ، فبالحريّ لا يجوز في الحيوان . وفكِّر بعد هذا في أجساد الأنعام ، فإنّها حين خُلقت على أبدان الإنس من اللحم والعظم والعصب ، أعطيت أيضاً السمعَ والبصر ليبلغ الإنسان حاجته ، فإنّها لو كانت عمياء صمّاء لما انتفع بها الإنسان ، ولا تصرّفت في شيءٍ من مآربه ، ثمّ منعت الذهنَ والعقل لتذلّ الإنسان ، فلا يمتنع عليه إذا كدّها الكدَّ الشديدَ ، وحملها الحملَ الثقيل .
--> ( 1 ) . توحيد المفضّل ، ص 148 - 150 ؛ بحار الأنوار ، ج 3 ، ص 125 - 126 . ( 2 ) . البقرة ( 2 ) : 164 . ( 3 ) . لاتنثني ، أي لاتنعطف ولا تميل . ( 4 ) . في المصدر : « غلفت » .